|
النهار"
الاحد 12 أيلول 2004 عيد الصليب – 14 أيلول سلّــــــــــــــم العبـــــــــــــــــور الى الخـــــــــلاص ورد في كتاب “حياة قسطنطين” Vita Constantini للمؤرخ اوسابيوس Eusèbe الصادر في العام 340 انه “في العام312م، انطلق الامبراطور الى محاربة مكسانس Maxence وسأل الله النصر. وعند الغسق، ظهر فوق النجم الاول صليب من نور وعبارة: “بهذه العلامة تنتصر IN HOC Signo Vinces”. فاستولى الدهش على قسطنطين وجنوده، لكنهم لم يفهموا معنى ذلك. وفي الليل، ظهر المسيح للامبراطور في الحلم مع العلامة نفسها، وامره بأن يجعلها شعاره العسكري، وان يحملها في معاركه فينال منها الحماية. وفي يوم 27 تشرين الاول من العام 312، انتصر قسطنطين على عدوّه ودخل روما ظافرا. وأمر بأن يوضع الصليب في كل مكان، وتحته عبارة تذكر الرومانيين بانهم تحرروا من نير الطغيان بهذه العلامة”. العثور على الصليب في 14 ايلول سنة 320م، تمّ العثور على الصليب المقدس الذي صلب عليه المسيح في اورشليم اثر عملية تفتيش واسعة قادتها القديسة هيلانة، والدة الامبراطور قسطنطين، في اثناء حجّها الى الاراضي المقدسة. وفي 13 ايلول سنة 335م، وفي ذكرى ثلاثين سنة على تسلمه السلطة، دعا الامبراطور قسطنطين الآباء المجتمعين في صور الى حفل تدشين كنيسة القيامة في اليوم التالي في اورشليم. وفي اثناء القداس الالهي، نهار الاحد 14 ايلول، عرض مطران اورشليم، للمرة الاولى، الصليب المقدس امام المؤمنين. وبناء على اوامر قسطنطين، اعتمدت الكنيسة هذا التاريخ،في ذكرى تدشين كنيسة القيامة وظهور الصليب المقدس، عيدا يحتفل به في 14 ايلول من كل عام. في 5 ايار سنة 614م، اجتاح الفرس اورشليم، فنهبوا كنيسة القيامة واستولوا على الصليب المقدس وأرسلوه هدية الى الامبراطور كسرى الثاني. اثر مرور عشر سنوات على هذا الاجتياح، هاجم الامبراطور البيزنطي هيراكليوس الاول بلاد فارس، وانتصر عليهم في عقر دارهم في 14 ايلول سنة 624م، واستعاد ذخيرة الصليب المقدس. عند حصول هذا النصر، اشعل المسيحيون النيران على التلال، اشارة للانتصار في ما بين مدنهم، وعودة الذخيرة المقدسة الى اورشليم. وتحولت علامة اشعال النار على المرتفعات عادة لا تزال ترافق عيد الصليب في 14 ايلول من كل سنة. في الرمزية يتخذ الصليب بُعد القياس والخلاصة، فيجمع بواسطة اطرافه الارض والسماء، والزمن والفضاء. فمن بين الرموز القياسية كافة، الصليب هو الاكثر شهرة. انه رمز واسطة الاتصال بين السماء والارض، بين الاسفل والاعلى، وبين الاعلى والاسفل. يعتبر الصليب، ايضا، رمز التصاعدية الروحية، فتحكي الرموز الالمانية القديمة عن شجرة تصل جذورها الى جهنم، وتطول قمتها عرش الله، وتضم بين اغصانها العالم كله. وهذه الشجرة بالذات هي الصليب.ٍ وبصورة عامة، ترى الرمزية الشرقية الى الصليب على انه الجسر او السلّم الذي تتسلقه النفوس البشرية نحو الله. وعند عدد من الشعوب، يحمل الصليب سبع درجات، تماما مثلما تمثل الاشجار الكونية السموات السبع. وفي التفسير اللاهوتي الرمزي، يتألف الصليب من خشبتين – علامتين: خط عمودي وخط افقي، فينطلق العمودي من الارض في اتجاه السماء، ومن السماء في اتجاه الارض، والافقي من الذات الى الغير، ومن الغير الى الذات. وتلتقي الخشبتان – الخطان عند موضع من كتف السيد المسيح ابان حمله صليبه على طريق الجلجلة، يقابل الجنب الذي طعن بحربة، فالصليب مجسّم لمجمل صفات الانسان، وذروة ما بذله الانسان الاله. صليب الخلاص أعطى اللاهوت المسيحي بعدا شديد الثراء لرمزية الصليب. ففي هذه الصورة الرمزية، تتلخّص قصة الآلام والخلاص. يرمز الصليب الى المصلوب، المسيح، المخلص، الكلمة، الاقنوم الثاني في الثالوث المقدس. وترى المسيحية فيه ابعد من مجرد وجه ليسوع المسيح، لانه التعريف بتاريخه الانساني وبشخصيته. يقول التراث المسيحي ان خشب الصليب مأخوذ من شجرة زرعها شيث (Sheth)، شقيق اوزيريس، على قبر آدم.وبعد موت يسوع، توزع الصليب قطعا صغيرة في انحاء الكون كافة كي يجترح العجائب. والحقيقة ان المسيحية استأثرت برموز الصليب الذي يفسّر آلام المسيح وحضوره فحيثما وجد الصليب، وجد المصلوب. إشارة الصليب يؤكد المؤرّخون ان المسيحيين اتخذوا الصليب اشارة خاصة بهم منذ القرن الاول الميلادي، لكنهم لم يتبنوه رمزا لهم الا مع القرن الرابع الميلادي، حين امر قسطنطين أن يرفع الصليب رمزا مسيحيا في الساحات العامة، وعلى التلال. اثر هذا الانتشار، رسمت الكنيسة الصليب في اربعة اشكال رئيسة هي: الصليب ذو الاطراف الثلاثة، من دون الطرف العمودي الاعلى، اي مثل حرف T اليوناني crux Commissa. - الصليب ذو الاطراف الاربعة الذي يتألف من خشبة عمودية واخرى أفقية (+)، ويدعى capitata او IMMISSA - الصليب العادي مع خشبتين افقيتين () - الصليب العادي مع ثلاث خشبات افقية (). يرمز الشكل الاول الى الحية المعلقة على وتد، اي الى الموت الذي انتصر عليه الفداء. في العهد القديم، كان هذا الشكل غامضا في رمزيته. وتقول مصنفات اللاهوت ان اسحق نجا من الموت لان خشب الذبيحة الذي كان ابراهام يحمله على كتفه، يشبه الصليب من حيث الشكل، فمسك الملاك اليد التي كانت تتهيّأ لذبح الولد. الشكل الثاني هو صليب الانجيل. ترمز اطرافه الى البشرية التي عبدت يسوع في اقطار العالم الاربعة، كما ترمز الى الفضائل الاربع عند الانسان. ويمثل اسفل الصليب المغروس في الارض الايمان المرتكز على اسس عميقة. اما الفرع الاعلى فالى الامل الصاعد نحو السماء، فيما يرمز عرضه الى المحبة التي تشمل حتى الاعداء، وطوله الى الصبر حتى النهاية. في اليونان، يُرسم هذا الصليب في اربعة فروع متساوية، وكأنه يتخذ شكل المربع، وهو شكل مثالي. اما الصليب الاول، فيقسم الفرع الافقي على نحو غير متساوٍ، بحسب مقياس الرجل الواقف باسطا يديه، وكأنه يأخذ شكل المثلث، وهو شكل واقعي. وبصورة عامة، تشدد الكنيستان اللاتينية والارثوذكسية، في هندسة كاتدرائياتها، على رسم الصليب على بلاط الكنائس، على الرغم من بعض الاستثناءات. الصليب الثالث يحمل خشبتين افقيتين: الخشبة العليا تذكر بالجملة التي كتبها بيلاطس البنطي على الصليب: يسوع الناصري ملك اليهود. اما الخشبة الثانية فهي التي حملت يدي المصلوب. يسمى هذا الشكل صليب اللورين (Lorraine)ـ مقاطعة في شرق فرنسا. والصحيح انها فكرة يونانية في الاساس. ويدل الصليب الرابع، ذو الخشبات الافقية الثلاث، الى التراتبية الكنسية، ويرمز الى التاج البابوي. وابتداء من القرن الخامس عشر، حصر البابا حق استعمال الصليب ذي الخشبات الافقية الثلاث، فيه وحده، فيما يحق للكاردينال او البطريرك استعمال صليب اللورين. اما الصليب العادي، صليب الانجيل، فيستعمله المطران والكاهن. يلحظ اللاهوت المسيحي عموما فرقا واضحا بين صليب الآلام وصليب القيامة، اذ يذكر صليب الآلام بعذاب يسوع وموته. فيما يرمز صليب القيامة الى انتصار المسيح على الموت. صليب المجد لم يعد الصليب عارا، بل تحول مع المصلوب، السيد المسيح، عنوانا للمجد المبني على الحياة المصبوغة بالالم والتضحية والفداء طريقا وحيدا للخلاص. من هنا، المسيحي الحقيقي الذي يودّ ان يتبع يسوع، عليه أن يحمل صليبه ويتبعه للوصول الى المجد. مات يسوع على صليب العار، وسط الاستهزاء والسخرية. تخلّى عنه تلاميذه، ونكره بطرس، وكان يوحنا يراقب من البعيد، وشكك الجميع فيه، قبل طريق عماوس. كل ذلك كي يفدي البشرية ويصالح الانسان مع الرب الاله، ويقود الانسان الى السلام والوحدة. اخيرا، لا بأس أن نقرأ ما كتبه بولس في رسالته الى أهل غلاطية: “أما أنا فمعاذ الله أن افتخر الا بصليب ربنا يسوع المسيح” (14:6)، لانه صليب كنيسة لن تقوى عليها ابواب الجحيم. ------------------------------ ں باحث في الميتولوجيا والأديان. |



